قراءة حيادية شاملة مع إدراج العامل الإسرائيلي غير المعلن
الصحفي : محمد رائد كعكة
يأتي اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية وقوات سورية الديموقراطية في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ الصراع السوري، حيث تتقاطع العوامل الداخلية مع تدخلات إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة. ومع اقتراب انتهاء المهلة الزمنية المحددة للاندماج ضمن الجيش العربي السوري، يبرز تساؤل جوهري حول أسباب التعثر، وما إذا كان مرتبطاً فقط بحسابات داخلية، أم أنه نتاج شبكة أوسع من الضغوط الخارجية.
أولاً: التعدد الداخلي داخل قوات سورية الديموقراطية
تُظهر المعطيات أن قوات سورية الديموقراطية ليست كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. فداخلها تيارات مختلفة، غالباً ما يُشار إليها توصيفاً بـالصقور، الذين يتوجسون من أي اندماج دون ضمانات سياسية بعيدة المدى ويضعون هدفا معلناً وهو اقامة دولة كردية في شمال شرق سورية ، والحمائم، الذين يرون في الاتفاق فرصة لتثبيت الاستقرار وتفادي صدامات مستقبلية مع الدولة. هذا الانقسام الداخلي ينعكس بطبيعة الحال على سرعة اتخاذ القرار وعلى وضوح الموقف من تنفيذ الاتفاق.
ثانياً: أحداث حلب والانتقال إلى التهدئة
شهدت حلب يوم 22 كانون الأول يوماً دموياً أعاد التذكير بهشاشة الوضع الأمني في المدن الكبرى. وقد أدى هذا التصعيد إلى فرض تهدئة لاحقة، في محاولة لاحتواء تداعياته ومنع اتساع رقعة التوتر. هذه الأحداث عززت القناعة لدى أطراف عدة بأن أي إخفاق سياسي، بما فيه تعثر اتفاق 10 آذار، قد يؤدي سريعاً إلى انفجار أمني.
ثالثاً: الدور الإسرائيلي غير المعلن
إلى جانب الأدوار الإقليمية المعروفة، يبرز الدور الإسرائيلي الخفي كعامل مؤثر في تعقيد المشهد السوري. فقد أشارت تقارير وتحقيقات صحفية، من بينها تحقيق نشرته واشنطن بوست، إلى وجود سلسلة من أشكال الدعم والتدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري، سواء عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة. ووفق ما ورد في تلك التحقيقات، فإن هذا الدور يهدف إلى الإبقاء على حالة من عدم الاستقرار، ومنع تشكل معادلة أمنية موحدة تخدم دمشق.
وفي هذا السياق، جرى تداول معلومات عن تواصل غير مباشر بين أطراف مرتبطة بقوات سورية الديموقراطية وتشكيلات محلية في السويداء، بما في ذلك اتهامات تتعلق بالتدريب أو الدعم المالي لما يُعرف بـ“الحرس الوطني” في المحافظة. هذه المعطيات، سواء تم تأكيدها أو نفيها، تعكس حجم التشابك بين الملفات المحلية والحسابات الإقليمية، وتُستخدم من قبل أطراف مختلفة لتعزيز سرديات الشك المتبادل.
رابعاً: الأكراد والهوية الوطنية السورية
يؤكد كثير من النخب السياسية والمجتمعية أن الأكراد يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني السوري، وأن الغالبية الساحقة منهم ترفض مشاريع التقسيم أو الانفصال. وفي المقابل، تتركز مطالبهم في إطار حقوق ثقافية وتعليمية، مثل الاعتراف باللغة الكردية في المجال الثقافي والتعليمي، على غرار ما يتمتع به الأرمن والشركس السوريون، دون الخروج عن إطار الدولة الواحدة.
خامساً: الجذور التاريخية للتوتر العربي–الكردي
يرى باحثون أن جزءاً كبيراً من التوتر بين العرب والأكراد يعود إلى سياسات الدولة المركزية في العقود الماضية، ولا سيما تلك التي انتهجها حزب البعث العربي الاشتراكي بعد وصوله إلى السلطة في سورية والعراق عام 1963. فقد أدت بعض السياسات الإدارية والثقافية إلى تعميق الشعور بالتهميش، ما ترك آثاراً طويلة الأمد على العلاقات بين المكونات السورية.
خاتمة
إن إدراج العامل الإسرائيلي، إلى جانب الانقسامات الداخلية والضغوط الإقليمية الأخرى، يوضح أن مستقبل اتفاق 10 آذار لا يتوقف فقط على إرادة طرفين محليين، بل يتأثر بسياق إقليمي ودولي أوسع يسعى كل طرف فيه إلى حماية مصالحه. وبينما يبقى الاتفاق فرصة محتملة لخفض التوتر وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمناطق الخارجة عن سيطرتها الكاملة، فإن نجاحه يتطلب معالجة شاملة للأبعاد السياسية والمجتمعية، إضافة إلى تحييد التدخلات الخارجية التي تغذي الانقسام وعدم الاستقرار.




